الفن والثقافة • رحلة تاريخية مصوّرة
من جداريات المعابد ولفائف الحكايات إلى التجريد والفن المعاصر
قد تستدعي عبارة «الرسم الياباني» موجة هوكوساي الشهيرة، أو شجرة صنوبر تتلاشى في الضباب، أو شاشة ذهبية تغطيها أزهار السوسن. لكن هذه الصور لا تنتمي إلى أسلوب واحد، ولا تختصر تاريخاً امتد قروناً وتغيرت فيه وظيفة الصورة ومادتها وجمهورها. كان الرسم أداة للعبادة، ووسيلة لتسجيل الحكايات والوجوه، وزينة للقصور، ومجالاً للتأمل والتجريب، ثم صار جزءاً من ثقافة المدن وأسواق الفن العالمية.
نشأ هذا التاريخ عبر صلات متواصلة بشرق آسيا، ولا سيما الصين وشبه الجزيرة الكورية، ثم اتسعت دوائر التبادل مع أوروبا والأمريكتين. ولم يكن التأثر بالآخر نقيضاً للابتكار المحلي؛ فقد أعاد الفنانون تشكيل التقنيات والموضوعات الوافدة وفق حاجات المعابد والبلاط والحكام والتجار، ثم وفق أسئلتهم الفردية. لذلك لا يصح تصور الفن الياباني تقليداً ثابتاً معزولاً، أو وصف كل لوحة فيه بأنها تعبير عن فلسفة واحدة.
وتشمل كلمة «الرسم» هنا التصوير بالحبر والألوان على الورق والحرير والخشب والجص والقماش، سواء ظهر في لفافة أو كتاب أو شاشة قابلة للطي أو باب منزلق. أما الطباعة الخشبية فهي وسيط مختلف سنناقشه لشدة تأثيره في تاريخ الصورة اليابانية، مع التمييز بين اللوحة التي نفذتها يد الرسام والطبعة المستخرجة من قالب محفور.
تعتمد الفترات التالية حدوداً تاريخية شائعة، لكنها ليست تواريخ لانقطاع الأساليب وبدء غيرها فجأة. فبعض المتاحف يبدأ موروماتشي سنة 1392 بعد فصل عصر البلاطين، ويمد موموياما إلى 1615، بينما يبدأ عهد إيدو السياسي سنة 1603. نذكر هذه الفروق حين تؤثر في قراءة الأعمال.
1. الجذور المبكرة: من التصوير على الأدوات إلى جداريات المقابر، حتى القرن السادس الميلادي

The Metropolitan Museum of Art, Rogers Fund, 1918, 18.68
مصدر الصورة · CC0 1.0؛ Public Domain
لا يبدأ تاريخ الصورة اليابانية بلوحة مستقلة معلقة على جدار. فالفخار والتماثيل الصغيرة والزخارف في عصور ما قبل التاريخ تكشف عن أنظمة بصرية سبقت بقاء أعمال ورقية أو حريرية بين أيدينا. لكنها لا تقدم وحدها دليلاً على وجود مدرسة رسم بالمعنى الذي عرفته العصور اللاحقة.
في عصر يايوي ظهرت على بعض أجراس «دوتاكو» البرونزية مشاهد مبسطة للبشر والحيوان والعمل اليومي. وتهمنا هذه الصور لأنها تثبت اهتماماً بتنظيم المشهد والحركة، لا لأنها لوحات مرسومة بالفرشاة. ومن المهم التمييز بين تاريخ التصوير عموماً وتاريخ الرسم بوصفه ممارسة مادية محددة.
وخلال عصر كوفون، الذي يؤرخ له تقريباً من منتصف القرن الثالث إلى القرن السادس الميلادي، حملت بعض المقابر زخارف ملونة وأشكالاً هندسية وصوراً ارتبطت بالعالم الجنائزي. كان المكان الذي تظهر فيه الصورة جزءاً من معناها: فهي ليست معروضة لجمهور المتحف الحديث، بل مرتبطة بالموت والسلطة والمعتقد.
لا نعرف أسماء معظم صانعي هذه الصور. وكتابة «فنان مجهول» هنا ليست نقصاً يمكن تعويضه بتخمين اسم؛ إنها وصف أمين لطبيعة الأدلة الباقية. كما أن قلة البقايا لا تعني أن التصوير كان قليلاً بالضرورة، فالخامات العضوية سريعة التلف والحروب والحرائق تحد من معرفتنا.
2. أسوكا ونارا، 593–794: البوذية وبناء لغة الصورة الدينية

معبد ياكوشيجي، نارا؛ صورة عبر Wikimedia Commons
مصدر الصورة · ملكية عامة (PD-Art)
أسوكا، 593–710
مع انتشار البوذية في القرن السادس، وتطور المؤسسات المرتبطة بها خلال أسوكا، اتسعت الحاجة إلى صور تشرح العقائد وتستحضر الشخصيات المقدسة. انتقلت موضوعات وتقنيات من الصين عبر شبه الجزيرة الكورية، إلى جانب انتقال الحرفيين والنصوص والأشياء. وكانت هذه الحركة أساساً لعلاقات فنية طويلة، لا حادثة تأثير واحدة.
تعد الرسوم الموجودة على «ضريح تاماموشي» الصغير، المحفوظ في معبد هوريوجي والمؤرخ إلى القرن السابع، مثالاً مهماً. تعرض بعض ألواحه حكايات بوذية يستخدم فيها تكرار الشخصية داخل المشهد الواحد لتعاقب الأحداث. في قصة التضحية بالنفس لإطعام النمرة وصغارها، تتحول الصورة إلى سرد أخلاقي، ويشارك المنظر الطبيعي في توجيه النظر بين لحظات الحكاية. مؤلفو هذه الرسوم غير معروفين بأسماء مؤكدة.
وتكشف جداريات مقبرة تاكاماتسوزوكا، من أواخر القرن السابع إلى مطلع الثامن، عن جانب آخر من التصوير المبكر. تظهر فيها شخصيات بملابس ملونة ورموز حارسة، مع خريطة نجوم على السقف. إنها شاهد على لغة بصرية مشتركة في شرق آسيا، وعلى تداخل المكانة السياسية والتصور الكوني داخل عمارة القبر. معبد هوريوجي، وكالة الشؤون الثقافية اليابانية.
نارا، 710–794
أدى اتخاذ نارا عاصمة إلى ازدهار رعاية الدولة للمعابد، فتوسع إنتاج الصور البوذية. ومن الأعمال الباقية لوحة «كيتشيجوتن»، إلهة الحظ والازدهار، من القرن الثامن في معبد ياكوشيجي. تظهر الشخصية في هيئة أنيقة ذات حضور جسدي وثياب غنية بالتفاصيل، وتساعد مقارنتها بأعمال لاحقة على فهم اختلاف الصورة الدينية عن الاختزال الذي سيشتهر به بعض رسم الحبر.
3. هييان، 794–1185: ازدهار ياماتو-إي وولادة السرد المصور

متحف توكوغاوا للفنون؛ صورة من منشور المتحف لعام 1937 عبر Wikimedia Commons
مصدر الصورة · ملكية عامة
مع انتقال العاصمة إلى هييان كيو، كيوتو الحالية، تطورت ثقافة بلاط غنية بالشعر والأدب والطقوس الموسمية. وفي هذا الوسط تبلور «ياماتو-إي»، أي التصوير المرتبط بالموضوعات اليابانية، في مقابل «كارا-إي» المرتبط بالموضوعات الصينية. لم يكن الفرق في بدايته مجرد قائمة ثابتة من الخصائص الشكلية؛ فقد تعلق أيضاً بما تصوره اللوحة وبالمراجع الأدبية والمكانية التي يستحضرها المشاهد.
رسم الفنانون المناظر والفصول والاحتفالات وقصص البلاط. واكتسبت «إماكي»، وهي اللفائف الأفقية المصورة، أهمية خاصة؛ إذ يفتح القارئ اللفافة تدريجياً ويشاهد جزءاً بعد آخر، فتغدو حركة اليد جزءاً من إيقاع الحكاية. ويمكن أن تتبادل الكتابة والصورة حمل السرد بدلاً من الاكتفاء بأن تشرح إحداهما الأخرى.
من أشهر الأمثلة «لفائف حكاية غنجي المصورة» الباقية من القرن الثاني عشر، والمستندة إلى رواية موراساكي شيكيبو من مطلع القرن الحادي عشر. تكشف طريقة إظهار البيوت كأن سقوفها مرفوعة عن المشاهد الداخلية. وتؤدي الألوان والملابس وترتيب الشخصيات دوراً كبيراً في التعبير عن المكانة والانفعال، حتى عندما تبدو الوجوه مقتصدة التفاصيل. مؤلف الرواية معروف، لكن لا يصح نسب الرسوم الباقية كلها إلى يد واحدة مؤكدة.
واستمر التصوير الديني إلى جانب الأدب، من الماندالا إلى صور بوذا أميدا ومشاهد نزوله لاستقبال المؤمن. ولذلك لا تختزل هييان في حياة البلاط وحدها، بل تشمل صوراً للتعبد وأخرى للذاكرة الأدبية والتاريخية.
من الأسماء البارزة: كوسي نو كاناؤكا، رسام بلاط نشط في القرن التاسع، مع الحذر من نسبة عمل باقٍ إليه من دون سند؛ وتوكيوا ميتسوناغا، الذي ارتبط بتطور التصوير السردي في أواخر العصر.
المراجع: متحف المتروبوليتان: ياماتو-إي، متحف طوكيو الوطني: تقاليد ياماتو-إي، قاموس JAANUS: مدرسة كوسي.
4. كاماكورا، 1185–1333: الوجوه الفردية وحركة الحكاية

The Metropolitan Museum of Art, 2012.249
مصدر الصورة · CC0 1.0؛ Public Domain
غير صعود الحكم العسكري في كاماكورا مراكز الرعاية الفنية، لكنه لم ينه ثقافة البلاط ولا التقاليد الدينية السابقة. أصبح عالم الصورة أوسع، يجمع المحاربين والرهبان والنبلاء والزوار والحجاج. وتزايدت أهمية الأعمال التي تروي تأسيس المعابد أو سِيَر الشخصيات الدينية، وتستحضر الصراعات والتحولات الاجتماعية.
ظهر اهتمام ملحوظ بالملامح الفردية في صور «نيسي-إي»، أي الصور الشبيهة بأصحابها. لم يكن الهدف تصوير الوجه وحده؛ فالثياب والوضعية والخطوط المحيطة به تؤكد المكانة الاجتماعية. ومن الأسماء المرتبطة بهذا الاتجاه فوجيوارا تاكانوبو، 1142–1205، وابنه فوجيوارا نوبوزاني، 1177–1265. لكن بعض نسب الصور الشهيرة إليهما تقليدية أو محل نقاش، ولذلك يجب الاحتفاظ بعبارة «منسوب إلى» حيث يستعملها المتحف.
وفي اللفائف السردية ازدادت الحركة والتفاصيل. تظهر الخيول والمواكب والحشود، وتتغير سرعة المشهد بين مقاطع هادئة وأخرى متوترة. وتوضح «أساطير ضريح كيتانو تنجين المصورة»، في نسخة أواخر القرن الثالث عشر بالمتروبوليتان، كيف تجتمع الوقائع والشخصيات التاريخية بالاعتقاد الديني. فاللفافة لا تؤدي وظيفة سجل محايد؛ إنها تبني ذاكرة تمنح المكان وشخصيته المقدسة معنى وسلطة.
وتساعد قراءة اللفائف بهذه الطريقة على تجاوز البحث عن «واقعية» تشبه التصوير الفوتوغرافي. فالرسام ينتقي ويبالغ ويختصر كي يجعل الحدث مقروءاً، ويغير حجم المساحة أو إيقاع الشخصيات بحسب حاجة السرد.
المراجع: متحف كيوتو الوطني: صور نبلاء البلاط، المتروبوليتان: ياماتو-إي والأمثلة السردية.
توضح الصورة مقطعاً من «السوترا المصورة لكارما الماضي والحاضر»، أواخر القرن الثالث عشر، وهو شاهد على السرد الديني في كاماكورا.
5. موروماتشي، نحو 1336–1573: الحبر والمنظر الطبيعي وصعود مدرسة كانو

National Museum of Asian Art, Smithsonian Institution, Freer Collection, Gift of Charles Lang Freer, F1905.20
مصدر الصورة · CC0 1.0
تشمل هذه المرحلة فترة البلاطين المتنافسين، التي تفصلها بعض الكتب تحت اسم «نانبوكوتشو»، 1333–1392. لذلك قد يجد القارئ بداية موروماتشي سنة 1392 في كتاب فني، وسنة 1336 في تاريخ سياسي، من دون أن يكون أحدهما يتحدث عن أعمال مختلفة بالضرورة.
دعمت المعابد المرتبطة ببوذية الزن الاتصال بالصين واقتناء لوحاتها، وازدهر التصوير بالحبر الذي عرف باسم «سويبوكوغا» أو «سومي-إي». في هذا الفن لا يعني تقليل اللون تقليل الإمكانات: يمكن لتفاوت الماء وكثافة الحبر وسرعة الفرشاة وجفافها أن ينتج جبلاً صلباً أو ضباباً رقيقاً أو غصناً نابضاً بالحركة. وتشارك المساحات غير المرسومة في بناء الصورة، فتمنحها الهواء والبعد والإيقاع.
من الأسماء المهمة جوسيتسو، ثم تنشو شوبون، وأبرزهم سيسّو تويو، الذي ولد سنة 1420 وتوفي نحو 1506. درس سيسّو التراث الصيني وسافر إلى الصين، لكنه أعاد صياغة المنظر الطبيعي ببناء قوي وإيقاع خاص. وفي «منظر بالحبر المتناثر»، 1495، تبدو العلامات قليلة وسريعة، غير أنها تقود العين بين كتل وأبعاد يمكن الإحساس بها من دون وصف كل تفصيل. ليس الاختزال هنا نقيض الصنعة، بل حصيلة تدريب وقدرة على الانتقاء.
وبالتوازي برزت مدرسة كانو. أسس كانو ماسانوبو، 1434–1530، ورشة احترافية ارتبطت برعاة ذوي نفوذ، ثم وسع ابنه كانو موتونوبو، نحو 1476–1559، مجالها بمزج قوة الخط والحبر بالألوان والزخارف. وبهذا لم يبق الرسم بالحبر محصوراً في حياة الراهب، بل صار جزءاً من نظام مهني سيخدم القصور والمعابد لقرون.
المراجع: متحف كيوتو الوطني: الرسم بالحبر، المتروبوليتان: مدرسة كانو.
الصورة المرفقة «منظر طبيعي» لسيسّو من مجموعة سميثسونيان، وهي عمل آخر غير «منظر بالحبر المتناثر» المؤرخ سنة 1495 والمناقش في النص. لا يحدد سجلها سنة تنفيذ منفردة.
6. أزوتشي–موموياما، 1573–1603، مع امتداد فني إلى 1615: الصورة بحجم العمارة

Tokyo National Museum, A-10471; Google Arts & Culture via Wikimedia Commons
مصدر الصورة · ملكية عامة (PD-Art)
ارتبطت هذه الفترة بمحاولات توحيد اليابان وبناء قلاع وقصور تعلن قوة أصحابها. وتغير مقياس الرسم تبعاً لذلك: لم تعد الصورة دائماً لفافة صغيرة تفتحها اليد، بل صارت تغطي أبواباً منزلقة وشاشات واسعة، وتدخل في تجربة المشي والجلوس واستقبال الزوار داخل المبنى.
بلغ هذا الاتجاه ذروة واضحة عند كانو إيتوكو، 1543–1590. تبدو الأشجار والحيوانات في أعماله ضخمة، والخطوط قوية، والخلفيات الذهبية قادرة على تحويل الجدار إلى مجال مضيء. ومن أشهر أمثلته «أشجار السرو»، 1590، في متحف طوكيو الوطني. تحتل جذوع الشجر وأغصانه معظم الصورة، ويصبح النمو الطبيعي قوة بصرية تتجاوز الإطار.
لكن الذهب والفخامة لا يصفان العصر كله. فقد قدم هاسيغاوا توهاكو، 1539–1610، في «غابة الصنوبر» من القرن السادس عشر تجربة مختلفة بالحبر وحده تقريباً. تتقدم الأشجار وتتراجع داخل الضباب، وتبدو بعض الأجزاء مكتملة وبعضها الآخر على وشك الاختفاء. تكشف المقارنة بين العملين أن فنانين متعاصرين يستطيعان صياغة حضور الطبيعة بوسائل متباعدة: الكتلة المشعة في الأول، والظهور المتقطع في الثاني.
ومن رسامي المرحلة أيضاً كايهو يوشو، 1533–1615، وكانو سانراكو، 1559–1635. وتوضح هذه الأجيال كيف انتقلت الأساليب إلى إيدو من دون أن تتوقف عند تاريخ سياسي واحد.
المراجع: سجل أشجار السرو، سجل غابة الصنوبر.
7. إيدو، 1603–1868: تعدد المدارس واتساع جمهور الصورة
بدأ حكم توكوغاوا سنة 1603، بينما تتخذ بعض المراجع الفنية سنة 1615 نهاية لموموياما وبداية لإيدو. وفي القرون التالية ازدهرت مدن كإيدو وكيوتو وأوساكا، وتنوع الرعاة والأسواق. استمرت القيود على العلاقات الخارجية، لكنها لم تعن انقطاع التبادل تماماً؛ فقد بقيت معارف وصور وأشياء تصل عبر قنوات محددة.
رينبا: الشعر والذهب والإيقاع الزخرفي
ارتبطت بدايات هذا الاتجاه بتاوارايا سوتاتسو وهونامي كويتسو، ثم أعاد أوغاتا كورين، 1658–1716، صياغة تراثه بقوة. و«رينبا» تسمية لتقليد فني أعاد فنانون إحياءه، وليست سلسلة وراثية متصلة على هيئة ورش كانو.
في «السوسن عند ياتسوهاشي»، المنفذ بعد 1709، يعالج كورين الجسر والزهور على شاشتين ذهبيتين كبيرتين. تمتزج الإشارة إلى الأدب بتنظيم لوني يجعل النبات والجسر عناصر في إيقاع متكرر. وتتيح الخلفية الذهبية للمشهد أن يكون مكاناً متخيلاً وتكويناً زخرفياً في وقت واحد. ومن الأسماء التي حملت هذا التراث لاحقاً ساكاي هويتسو، 1761–1828، وسوزوكي كييتسو، 1796–1858.

The Metropolitan Museum of Art, Purchase, Louisa Eldridge McBurney Gift, 1953, 53.7.1, .2
مصدر الصورة · CC0 1.0؛ Public Domain
رسامو الأدباء والملاحظة من الطبيعة
استلهم اتجاه «نانغا» أو «بونجينغا» ثقافة الرسامين الأدباء في الصين، حيث يرتبط التصوير بالشعر والخط والتأمل. برز إيكي تايغا، 1723–1776، ويوسا بوسون، 1716–1784. كانت المناظر الجبلية والحدائق والرحلات عوالم للتخيل الثقافي، وليست دائماً تسجيلات لمواضع شاهدها الرسام بعينه.
وفي اتجاه آخر منح ماروياما أوكيو، 1733–1795، الملاحظة المباشرة أهمية بارزة، مع استمرار صلته بوسائط العرض اليابانية. أما إيتو جاكوتشو، 1716–1800، فبنى عالماً خاصاً من الطيور والنباتات والتفاصيل الدقيقة والتحويرات الجريئة. ويكشف وجود هؤلاء مع سوتاتسو وكورين أن إيدو لا تختزل في مدرسة واحدة، ولا في تاريخ المطبوعات وحده.
أوكيو-إي: اللوحة الأصلية والطبعة الخشبية
اتسع جمهور صور المسرح والجميلات والمشاهير والمناظر والسفر. ارتبط اسم «أوكيو-إي»، أو صور العالم العائم، بهذا المجال، لكنه شمل لوحات مرسومة ومطبوعات معاً. ومن أسمائه هيشيكاوا مورونوبو، وسوزوكي هارونوبو، وكيتاغاوا أوتامارو، ثم كاتسوشيكا هوكوساي، 1760–1849، وأوتاغاوا هيروشيغي، 1797–1858.
«تحت موجة كاناغاوا»، المعروفة بالموجة العظيمة، نحو 1830–1832، مثال بالغ الشهرة على الطبعة الخشبية الملونة. صمم هوكوساي الصورة، لكن إنتاج الطبعات اعتمد على تعاون الناشر وحفار القوالب والطباع. لا تعني نسبة الصورة إلى المصمم أنه نحت كل قالب وطبع كل نسخة بنفسه، ولا تكون كل النسخ المتداولة متطابقة في لونها وحالتها وتاريخها.

The Metropolitan Museum of Art, Rogers Fund, 1914, JP10
مصدر الصورة · CC0 1.0؛ Public Domain
وفي الرسم الأصلي تستحق كاتسوشيكا أوي، ابنة هوكوساي، حضوراً مستقلاً، خصوصاً في مشاهدها الليلية وعنايتها بمصادر الضوء. تواريخ حياتها غير محسومة تماماً، وتذكير القارئ بذلك أدق من تقديم سنوات قاطعة. ويمنع هذا المثال اختزال النساء في تاريخ الصورة اليابانية في موقع الموضوع المرسوم فقط.
المراجع: المتروبوليتان: رينبا، بوسون وتقاليد نانغا، جاكوتشو: أزهار البرقوق البيضاء والقمر، 1755، السوسن عند ياتسوهاشي، الموجة العظيمة، متحف أوتا: كاتسوشيكا أوي.
8. ميجي، 1868–1912: إعادة تعريف التقليد أمام الرسم الغربي

Tokyo National Museum, KU-a117; via Wikimedia Commons
مصدر الصورة · ملكية عامة (PD-Art)
أحدثت إصلاحات ميجي تغيرات واسعة في التعليم والمؤسسات والاتصال بالعالم. وأصبح سؤال هوية الرسم أكثر إلحاحاً: ماذا يعني أن تكون اللوحة يابانية في عصر تتسع فيه دراسة الزيت والتشريح والمنظور وأساليب العرض الأوروبية؟
برز مصطلح «يوغا» للدلالة على الرسم على الطريقة الغربية، ولا سيما الرسم الزيتي، مقابل «نيهونغا» الذي تشكل بوصفه تصنيفاً حديثاً للرسم الياباني. وارتبط الأخير عادة بالحبر والأصباغ والمواد اللاصقة على الورق أو الحرير. لكنه لم يكن مجرد استمرار ساكن للماضي؛ فقد جمع فنانون من مدارس مختلفة، واستوعب بعضهم التظليل والملاحظة وطرائق تكوين جديدة. لذا لا يصح استخدام «نيهونغا» اسماً لكل لوحة يابانية منذ العصور القديمة.
من رواد يوغا تاكاهاشي يويتشي، 1828–1894، وكورودا سييكي، 1866–1924. درس كورودا في فرنسا وساهم في ترسيخ الرسم الزيتي وتعليمه. وتقدم «على ضفاف البحيرة»، 1897، امرأة جالسة قرب بحيرة آشي في هاكونه. يلفت فيها الضوء والهواء والهدوء اللوني، وتتيح قراءة التحول التقني من خلال موضوع محلي مألوف، لا من خلال تغيير الموضوع إلى مشهد أوروبي.
وفي نيهونغا تبرز أسماء كانو هوغاي، 1828–1888، وهاشيموتو غاهو، 1835–1908، ثم يوكوياما تايكان، 1868–1958، وهيشيدا شونسو، 1874–1911. ساهمت المدارس والجمعيات والمعارض الجديدة في صياغة مكانة هؤلاء، وأصبحت الحداثة نفسها ساحة تفاوض على معنى التراث وطريقة تدريسه وعرضه.
المراجع: شرح العمل في معهد طوكيو الوطني لبحوث الممتلكات الثقافية، قاموس JAANUS: نيهونغا، يوكوياما تايكان، قاعدة الفنانين اليابانيين.
9. تايشو، 1912–1926، وبداية شووا، 1926–1945: الفردية والتجريب والحرب

Kishida Ryūsei, National Museum of Modern Art, Tokyo; photograph by Daderot, Wikimedia Commons, CC0
مصدر الصورة · تصوير Daderot تحت CC0 1.0؛ العمل ملكية عامة
شهدت العقود الأولى من القرن العشرين توسعاً في حركة الفنانين والكتب والمجلات والمعارض. لم تعد العلاقة مع أوروبا مجرد تعلم قواعد أكاديمية؛ فقد دخل الفنانون في حوار مع ما بعد الانطباعية والوحشية والتكعيبية وغيرها، واختاروا منها وسائل للتعبير عن رؤيتهم الخاصة.
تعود لوحة يوروزو تيتسوغورو «جمال عارٍ»، المؤرخة سنة 1912، إلى أواخر ميجي، قبيل بداية تايشو. تقدم الجسد واللون بصورة حادة تختلف عن التدرج الهادئ الذي نجده في لوحة كورودا. أما كيشيدا ريوسي، 1891–1929، فاشتهر بصوره لابنته ريكو، التي جعل فيها الوجه اليومي مجالاً لفحص مكثف للملامح والسطح والحضور النفسي.
واصل نيهونغا التجدد أيضاً. ومن أبرز فناناته أويمورا شوين، 1875–1949، التي طورت صور النساء على امتداد ميجي وتايشو وشووا. في «جو نو ماي»، 1936، تقدم شخصية تؤدي رقصة مرتبطة بمسرح النو، بتوازن دقيق بين الإيماءة والثوب والفراغ. يمنحها هذا البناء وقاراً وتركيزاً، ويوضح أن استخدام مادة تقليدية لا يمنع بناء موقف فني فردي.
لكن تاريخ هذه السنوات لا يكتمل من دون الحرب. فقد شارك فنانون في إنتاج صور بتكليف عسكري، منهم فوجيتا تسوغوهارو، المعروف أيضاً بليونار فوجيتا، 1886–1968. وتوضح «القتال الأخير في أتو»، 1943، تشابك المهارة التصويرية مع التعبئة السياسية. قراءة العمل تقتضي معرفة سياق التكليف والعرض، لا التعامل معه بوصفه وصفاً بصرياً بريئاً من الغرض أو مصدراً محايداً للمعركة.
المراجع: سجل عمل يوروزو في المتاحف الوطنية اليابانية، متحف جامعة طوكيو للفنون: جو نو ماي، سجل لوحة أتو، سيرة فوجيتا العلمية.
10. ما بعد الحرب، 1945–أواخر القرن العشرين: الجسد والمادة والتجريد
دفعت هزيمة 1945 والدمار وإعادة البناء كثيراً من الفنانين إلى مساءلة المؤسسات واللغة البصرية الموروثة. لم ينتج ذلك أسلوباً واحداً؛ فقد استمر الرسم التشخيصي ونيهونغا، بينما اتجهت تجارب أخرى إلى التجريد والأداء والعمل بالمواد خارج حدود اللوحة التقليدية.
تأسست جماعة «غوتاي» سنة 1954 بقيادة يوشيهارا جيرو، 1905–1972. اهتم فنانوها بالفعل والعملية وبالعلاقة المباشرة بين الجسد والمادة. ومنهم كازوو شيراغا، 1924–2008، الذي استخدم قدميه في نشر اللون، محولاً اللوحة إلى أثر لحركة بدنية واسعة. في عمله «بلا عنوان»، 1964، لا تصف الكتل الملونة منظراً بعينه، بل تحفظ اتجاه الضغط والاندفاع والالتواء.
أما أتسوكو تاناكا، 1932–2005، فربطت بين الرسم وتجارب الوسائط الأخرى، وظهرت في لوحاتها دوائر وخطوط متشابكة. تشجع أعمالها على النظر إلى الصورة كشبكة علاقات، وتذكر بأن تاريخ الطليعة اليابانية لم يصنعه الرجال وحدهم. والحديث عن غوتاي لا يقتضي تصنيف كل أداء أو تركيب بوصفه لوحة؛ فالأهمية هنا هي الحركة المتبادلة بين الوسائط.
في مسار آخر، طورت يايوي كوساما، المولودة سنة 1929، سلسلة «شبكات اللانهاية»، التي عرضتها في نيويورك سنة 1959. تتكون هذه اللوحات من تكرارات كثيفة لعلامات صغيرة، فيتأرجح نظر المشاهد بين الضربة الفردية والمجال الممتد. ويظهر «رقم F»، 1959، كيف يمكن للسطح المتكرر أن يغير الإحساس بالمقياس والحدود، من دون العودة إلى المنظور التقليدي.
تمنع هذه التجارب تصور التجريد الياباني مجرد نسخة لاحقة من فن الغرب. فقد تشكل عبر مبادرات محلية وتنقلات دولية واتصالات متعددة الاتجاهات، وكانت لكل فنان مادته وأسئلته وسيرته.
المراجع: شيراغا في MoMA، تاناكا في MoMA، كوساما في MoMA، متحف يايوي كوساما: شبكات اللانهاية.
11. من التسعينيات إلى الحاضر: الصورة بين التراث والثقافة الشعبية والعالم الرقمي
شهد عصر هيسي، 1989–2019، ثم ريوا منذ 2019، استمرار تعدد مسارات الرسم الياباني. لم تعد الحدود بين اللوحة والتصميم والمانغا والرسوم المتحركة والمنتج التجاري واضحة دائماً. وفي المقابل استمرت ممارسات نيهونغا والرسم الزيتي والتجريد، فلا يمثل الفن المرتبط بثقافة البوب مجموع المشهد المعاصر.
من أشهر الأسماء تاكاشي موراكامي، المولود سنة 1962. تلقى تدريباً في نيهونغا، ثم ربط إشارات من التراث التشكيلي بالشخصيات والسطوح اللامعة المرتبطة بالثقافة الاستهلاكية. في «727»، 1996، تتحرك شخصية «DOB» فوق موجة مصوغة بأسلوب كرتوني، ضمن سطح متعدد الطبقات. يسبق العمل صياغة مفهوم «سوبرفلات» سنة 2000، الذي ناقش به موراكامي التسطيح البصري والعلاقة بين الفن الرفيع والثقافة الشعبية والاستهلاك.
ولا يعني هذا المفهوم أن كل رسم ياباني تاريخي كان مسطحاً بالطريقة نفسها، أو أن جميع الفنانين المعاصرين ينتمون إليه. إنه طرح فني ونقدي محدد، يمكن قراءته ومناقشته، لا مفتاحاً وحيداً لتفسير تاريخ يمتد قروناً.
ومن الأسماء البارزة يوشيتومو نارا، المولود سنة 1959، الذي عرف بشخصيات تجمع ملامح الطفولة بنظرات قد تبدو غاضبة أو متحدية أو متأملة. ويساعد وضعه إلى جانب موراكامي، لا داخله، على ملاحظة اختلاف علاقة كل فنان بالصورة الشعبية والذاكرة والانفعال. كما توسعت أعمال فنانات مثل آيا تاكانو وتشيهو أوشيما في مناطق تتقاطع فيها الصورة المرسومة بالعالم المتخيل والوسائط الرقمية.
تتيح المقارنة بين موجة هوكوساي وموجة موراكامي سؤالاً عن انتقال العلامة البصرية بين الأزمنة، بشرط الحفاظ على الفروق: الأولى طبعة خشبية أنتجت في اقتصاد نشر القرن التاسع عشر، والثانية لوحة أكريليك من تسعينيات القرن العشرين تتحرك في سياق مختلف تماماً من الإنتاج والتلقي.
المراجع: MoMA: لوحة 727، متحف الفن المعاصر بلوس أنجلوس: سوبرفلات، متحف يوكوهاما: موراكامي وتكوينه الفني.
خاتمة: تاريخ من التحول، لا أسلوب واحد
من الصور المبكرة المرتبطة بالقبر والمعبد إلى اللفائف التي تتكشف مع حركة اليد، ومن الشاشات الذهبية التي تنظم فضاء القصر إلى اللوحات التي تسجل حركة الجسد، تغير الرسم الياباني بتغير المجتمع ووسائط الصورة. ولم تُلغِ مرحلة ما قبلها: عاد رسامو إيدو إلى أدب هييان، وأعاد فنانو ميجي تركيب مدارس أقدم، واستدعى المعاصرون تقاليد الحبر والزخرفة والطبعة داخل أعمال جديدة.
ويمكن للقارئ أن يتتبع هذا التاريخ عبر أربعة أسئلة بسيطة: من صنع الصورة، ولمن صنعت، وبأي مادة، وكيف كان ينظر إليها؟ تكشف هذه الأسئلة ما قد تخفيه شهرة الأسماء؛ فهي تعيد الحضور إلى الفنانين المجهولين، وإلى الورش والحفارين والطباعين والرعاة، وتمنع الخلط بين الأصل ونسخته وبين تاريخ العمل وتاريخ الموضوع الذي يرويه.
عندئذ تبدو فرادة الرسم الياباني في قدرته المتجددة على تحويل الاتصال إلى ابتكار، وفي تعدد صيغ النظر إلى الطبيعة والجسد والحكاية. ليست «الموجة العظيمة» نهاية هذا التاريخ ولا صورته الوحيدة، بل إحدى محطاته في بحر أوسع من التجارب.

جارٍ تحميل التعليقات…