سيرة فنية بين المسرح والشعر والدبلجة
من البصرة إلى الكويت ولندن
ارتبط اسم فلاح هاشم بصوت عدنان في «عدنان ولينا» وكمال في «الرجل الحديدي». غير أن هذين الدورين يقودان إلى سيرة أوسع لفنان عراقي جمع التمثيل والإخراج والكتابة والشعر، وشارك في صياغة عالم الطفل بالكلمة والصوت. ومن البصرة إلى الكويت ولندن، تنقلت تجربته بين خشبة المسرح والاستوديو والورقة. [١، ٢، ٤، ٥]
في هذه المسيرة، تحمل العبارة أكثر من حياة: تُقرأ قصيدة، وتُقال حواراً، وتتحول إلى كلمات أغنية. وتساعد هذه الصلة بين الكتابة والأداء على فهم حضوره في الدبلجة؛ فقد دخلها بخبرة إذاعية وتكوين مسرحي، ثم صار جزءاً من الذاكرة الصوتية للأعمال التي شارك فيها. [٢، ٣]
تتبع هذه السيرة بداياته، ومحطة الكويت، وأدواره الصوتية، وكتابته للطفل، ثم نشاطه في لندن وعودته إلى الدراما العراقية. ويجمع مخططها الختامي أبرز المحطات ذات التواريخ الموثقة.
البصرة والبدايات مع الشعر والمسرح

في البصرة، كان الشعر قريباً من طفولة فلاح هاشم. حين استعاد تلك السنوات في أمسية بلندن، تحدث عن والده وما كان يحفظه من القصائد، وعن المشي قرب نهر العشار، ثم عن معلمي العربية الذين شجعوه والنشاط المسرحي والإذاعي في المدرسة. كانت الكلمة تصل إليه مسموعة، قبل أن تصبح مادة يكتبها ويؤديها. [٥]
تذكر تغطية تلك الأمسية تخرجه في معهد الفنون الجميلة عام ١٩٧٠، فيما تحدد تغطية أخرى اختصاصه بالتمثيل والإخراج. وبحسب رواية أمسية ثقافية عام ٢٠١٧، نشر جبرا إبراهيم جبرا إحدى قصائده المبكرة في مجلة «العاملون في النفط» حين كان طالباً. تجمع هذه البدايات بين تعلّم حرفة الممثل والعناية بإيقاع اللغة وصورتها. [٤، ٥]
وقبل مغادرته العراق، كتب أعمالاً ذكر منها «الحسن ابن الهيثم» و«الكندي» و«ابن خلدون» و«عز الدين القسام» و«بائعة البنفسج» و«أحلام سجين» و«نماذج من المقهى». وتشير عناوينها إلى اتساع اهتمامه، من الشخصيات التاريخية والفكرية إلى الحكاية الإنسانية. [٢]
هذا التكوين يضيء ما جاء لاحقاً: ممثل يقرأ الشخصية بعين الكاتب، وكاتب يعرف أن الجملة ستحتاج إلى نفس وإيقاع وانفعال عندما تخرج من الصفحة إلى الجمهور.
الكويت والشخصيات التي عاشت بالصوت

وصل هاشم إلى الكويت في يناير ١٩٧٩، وأقام فيها أحد عشر عاماً. عمل في مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك ممثلاً ومخرجاً وكاتب أغنيات، ثم تولى رئاسة قسم الدبلجة. وفي الإذاعة الكويتية كتب أعمالاً منها «نجم في الظهيرة» و«أمنية اسمها التفاهم» و«التحليق داخل الشبكة» و«ارتفع الستار». [١، ٣]
ويضع هاشم بداية أدواره المدبلجة بترتيب واضح: كمال في «الرجل الحديدي» أولاً، ثم عدنان في «عدنان ولينا». وتذكر المصادر أيضاً فارس في «الحوت الأبيض»، وفاوست وجان فالجان في «حكايات عالمية». وفي مقابلة عام ٢٠١٥، قال إنه أدى شخصيات في أكثر من ألف حلقة، وعدّ عدنان وكمال وجان فالجان من أقرب أدواره إليه. [١، ٢، ٤]
خلف الصورة، تعمل حرفة دقيقة. يشرح هاشم أن الدبلجة تلزم الممثل بمطابقة زمن العبارة وحركة الشفاه وطبيعة المشهد. فالصوت يحتاج إلى التعبير عن الانفعال، وإلى الانسجام مع شخصية مرئية سبق أن رُسمت حركتها. وهنا أفادته الخبرة الإذاعية، مع ما فرضته الصورة من شروط إضافية. [٢، ٣]
وكان خارج الكويت في رحلة سياحية عند اجتياح عام ١٩٩٠، ولم يعد إليها للإقامة، بحسب شهادته. بقيت تلك المرحلة محطة تجمع في سيرته الإذاعة والدبلجة والكتابة الموجهة إلى الطفل. [١]
كاتب الأغنيات ورؤيته لشاشة الطفل

للأغنية مكان واضح في تجربة هاشم. فقد أكد كتابة «بشار يا بشار» وأغنيات عديدة للرسوم المتحركة، إلى جانب أغاني مسرحية «أصدقاء»، وأغاني «الحلاق الثرثار» و«دكوش يغزو وادي القمر» و«سندريلا» و«سندس» و«مدينة الأحلام»، وبرنامج «٧ أبواب». والمساهمة الموثقة هنا هي كتابة الكلمات، لا غناء جميع تلك الأعمال. [١، ٢]
كما شارك في كتابة الجزء الثالث من «افتح يا سمسم» وبعض أغانيه، وكذلك في «سلامتك» و«قف». وتبرز في هذه الأعمال قدرة الكتابة على الاقتراب من الطفل بلغة واضحة، وعلى حمل فكرة تعليمية أو إنسانية داخل حكاية أو لحن قابل للتذكر. [٣]
وفي تقييمه لمرحلة الإنتاج المشترك القديمة، رأى أن الغاية التربوية والإنسانية كانت تتقدم على الدافع التجاري. وعاد إلى الفكرة في جلسة «شاشة الطفل» بمهرجان الشارقة القرائي للطفل في مايو ٢٠٢٢، داعياً إلى العناية باللغة الأم وثقة الطفل بنفسه، وترسيخ الصدق والتعاون واحترام الآخر. [١، ٦]
تصل هذه الرؤية بين كاتب الأغنيات ومؤدي الشخصيات: كلاهما يخاطب متلقياً صغيراً يكتشف اللغة والعالم معاً. ومن هذه الزاوية، تتسع قراءة أعماله إلى ما وراء الحنين إلى البرامج القديمة، لتشمل سؤاله عن مضمون ما يُقدم للطفل اليوم.
لندن والمسرح والعودة إلى الدراما

في لندن أسس هاشم إذاعة «بيت العائلة»، وذكر أن إذاعته هناك استمرت أحد عشر عاماً. وشارك في النشاط الثقافي للجالية العراقية، وفي «كلكامش» بمسرح المنفى أدى شخصيات رجالية متعددة مستخدماً الأقنعة. كما شارك في فيلم «فطور إنكليزي» لجعفر مراد. [٣، ٤]
واستمرت صلته بالدراما العراقية؛ فقد قال إن تعاونه مع حسن حسني بدأ عام ٢٠٠٨ بـ«رسائل من رجل ميت»، ثم جاء «آخر الملوك» بدور الدكتور فاضل الجمالي، و«رجال وقضية». وفي عام ٢٠١٢ زار بغداد بدعوة إلى مهرجان مسرح الشباب العربي. [٢]
ومن أعماله مع جعفر مراد «مدينة الضباب»، الذي عرض في ٢٠٢٤ بحسب مقابلة المخرج المنشورة في مارس ٢٠٢٥. وتذكر المقابلة أنه من إحدى عشرة حلقة، صُوّرت في لندن ومدن بريطانية أخرى، وتورد اسم هاشم ضمن أبطال «ابتسامة بيكاسو». وفي حديثه عن الغربة، شرح محدودية فرص الإنتاج والاعتماد على الجهود الجماعية، مع استعداده لأعمال عراقية يجد فيها نصاً مناسباً. [٧، ٨]
وحضر الشعر من جديد في أمسية فبراير ٢٠٢٣ للاحتفاء بديوان «الضيف القديم»، بعد تأخر حفل توقيعه بسبب الجائحة. ذلك تاريخ الأمسية، لا تاريخ صدور الديوان. [٥]
يمكن الدخول إلى عالمه من صوت عدنان، ثم متابعة الطريق إلى المسرح والإذاعة والقصيدة. وعند جمع هذه المحطات، تظهر سيرة فنان جعل الكتابة والأداء مجالين متصلين، ومنح تجاربه المختلفة حضوراً يتجاوز حدود شخصية واحدة.
خط زمني لأبرز محطات المسيرة

المصادر
[١] الجريدة، مقابلة أفراح الهندال، ٩ يوليو ٢٠١٥.
[٢] الخليج، فلاح هاشم أعود للمشاركة في الدراما العراقية، ٢٦ نوفمبر ٢٠١٢.
[٣] الصباح الجديد، مقابلة أحلام يوسف، ١٥ أكتوبر ٢٠١٨.
[٤] أرشيف موقع الحزب الشيوعي العراقي، أمسية المقهى الثقافي في لندن، ٤ فبراير ٢٠١٧.
[٥] موقع الحزب الشيوعي العراقي، علي رفيق حول أمسية الضيف القديم، ٢ مارس ٢٠٢٣.
[٦] الشارقة ٢٤، جلسة شاشة الطفل، ٢١ مايو ٢٠٢٢.

جارٍ تحميل التعليقات…